أبي منصور الماتريدي

493

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

له نفاقهم كف عن استغفاره لهم ، فأما أن يستغفر للكافر على علم منه أنه كافر فلا يحتمل ، على ما يقوله بعض أهل التأويل : إنه استغفر لعمه ولأحد والديه . وقوله - عزّ وجل - : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ . قال « 1 » بعضهم : وعدها إياه : الإسلام ، فكان استغفاره لأبيه على وعد الإسلام ، فإنما كان استغفاره بعد إسلامه . ألا ترى أنه قال : رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ إبراهيم : 40 ، 41 ] فإنما طلب له المغفرة في ذلك اليوم وقد كان وعده الإسلام ؛ لذلك كان استغفر له . ألا ترى أنه تبرأ منه ؛ إذ تبين له أنه من أهل النار . ويحتمل أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه طلب السبب الذي به منه يستوجب المغفرة وهو التوحيد [ والإسلام ] « 2 » ؛ وهو كقول هود [ لقومه ] « 3 » : وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [ هود : 52 ] ؛ وكقول نوح : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [ نوح : 10 ] ، ليس يأمرهم أن يقولوا : نستغفر الله ، ولكن يأمرهم بالإسلام ليغفر لهم ويكونوا من أهل المغفرة ، فعلى ذلك استغفار إبراهيم لأبيه ؛ وكذلك قوله : وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [ الشعراء : 86 ] ، أي : أعطه السبب الذي به يستوجب المغفرة وهو التوحيد ، كان سؤاله سؤال التوحيد ؛ إذ لا يحل طلب المغفرة للكافر وفي الحكمة لا يجوز أن يغفر له . فإن قيل : فإن كان على ما ذكرتم كيف استثنى قول إبراهيم : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ بعد ما أخبرنا أن في إبراهيم قدوة بقوله : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ [ الممتحنة : 4 ] ؟ قيل : يحتمل الاستثناء لقول إبراهيم : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ لأبيه ، أي : حتى نعلم المعنى من استغفاره ؛ لأنا لا نعرف مراد إبراهيم من استغفاره لأبيه ؛ وكذلك استغفار الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لقومهم والمتصلين بهم ، فاستثنى ذلك إلى أن نعلم مرادهم من استغفارهم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ . قيل « 4 » : الأواه : الدعاء ، وعلى ذلك روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « أنه سئل عن الأواه ؟

--> ( 1 ) في أ : وقال . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 494 ) عن كلّ من : -